حسن حسني عبد الوهاب
89
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
الحروب والفتن ، وما يفتقد بالإهمال وعدم العناية كالتمزق والحرق وعمل العثّ إلى غير ذلك من المصائب والنوائب . ولقد رأيت من المخطوطات القيروانية والتونسية ما يرجع تاريخ نسخه إلى ذلك العصر الذهبي في أقاصي البلاد العربية فلقد شاهدت بمتحف دمشق العربي نسخة جليلة " 1 " من كتاب " الملخّص " للقابسي على الرق مكتوب في القيروان في حياة المؤلف ، ورأيت نسخة كاملة من مدوّنة سحنون على الرقّ أيضا ترجع إلى القرن الخامس وهي على غاية الجمال والضبط جلبها مالكها الحالي من مدينة " تنبكتو " ببلاد الشاد في أواسط السودان . وهذه مصنفات أبي حنيفة النعمان بن محمد القيرواني ، قاضي قضاة الفاطميين ، في فقه الشيعة الإسماعيلية وتاريخ ملوك بني عبيد لا يوجد منها اليوم تأليف واحد في البلاد التونسية وإنما هي - بأجمعها تقريبا - عند جماعة الإسماعيليين في الهند ، وقس عليه ما خفي عنك . انظر إلى ما روى أبو محمد عبد اللّه الشبيبي - من علماء القرن الثامن - فإنه قال : " إن الوافدين لقراءة العلم بالقيروان من شغفهم بكتاب " المدونة " قد تغالوا في اقتناء نسخها وأكثروا في ثمنها فاشتروا ما بالقيروان حتى عدمت منها . . " " 2 " . وفوق ذلك كله لا ننسى تلك الكارثة العظيمة المؤلمة : زحفة الأعراب من بني هلال وبني سليم في آخر عهد المعزّ بن باديس سنة 449 ه فإنها كانت الكارثة القاضية على تمدن البلاد إذ زعزعت أركان الحضارة العربية بإفريقية ، وذهبت برونقها اللامع كأمس الدابر ، وحتّمت على السكان الجلاء إلى أطراف الأصقاع ما بين المشرق والمغرب ، فأصبح القطر بعد انتقالهم أثرا بعد عين مما جعل أحد أبنائها الأدباء - وهو علي بن محمد الخولاني المعروف بالحدّاد المهدوي - يندب حاله ، وقد اضطر لبيع جميع كتبه في مسقط رأسه ليتقوّى بثمنها على مفارقة وطنه
--> ( 1 ) [ ما ذكره المؤلف في ترجمة القابسي ( الترجمة رقم 51 في هذا الكتاب ) أن الموجود في متحف دمشق هو الورقة الأولى فقط ] . ( 2 ) المعالم ج 3 ص 226 [ 3 : 182 ] .